بقلم الأديب المبدع / د . علوي القاضي

«(•)» الأطفال المتوحشون «(•)»
بحث وتحقيق : د/علوي القاضي. 
... تناول أدب الأطفال مقالات وقصص خيالية عن (الأطفال المتوحشين) ، ولكن الأحداث أكدت أن بعض هذه الشخصيات حقيقية وواقعية وإن كانت نادرة  
... ففي عام 1867، في غابة هندية ، تم إكتشاف صبي يعيش فيها ، يُدعى (دينا سانيشار) ، مما غيّر الطريقة التي ينظر بها الناس إلى الأطفال المتوحشين ، كان الصبي يفضل اللحوم النيئة ، ويمشي على أربع ، ويزمجر مثل الذئاب ، وبعينيه الحادتين وغرائزه الحيوانية ، كان يقضم العظام ، وعلى الرغم من سنوات من الإتصال البشري ، لم يتعلم أبدًا التحدث ، وظلت شخصيتة الغامضة مصدرا لإلهام أدباء الأطفال ، وألهمت حياته واحدة من أكثر الشخصيات شهرة في الأدب (ماوكلي من كتاب الأدغال)
... وهناك صورة أخرى لـ (الطفل الذئب) ، نتيجة خلل جيني تعرف بـ (متلازمة الذئب) ، وتتميز بفرط نمو الشعر ، الذي يغطي جسد الطفل بأكمله بداية من وجهه مرورًا بذراعيه وحتى قدميه ، ويمكن أن يصيب النساء والرجال ،  إلا أنه نادر الحدوث ، ويمكن أن يظهر عقب ولادة الطفل أو يتطور مع مرور الوقت ، وهناك عدة أنواع مختلفة من متلازمة الذئب 
... وهناك صورة أخري لـ (الأطفال المتوحشين) تسمى (الطفلة الكلبة) ، ففي إحدى القرى (جنوب أوكرانيا) ، وُلدت طفلة عام 1983 تُدعى (أوكسانا مالايا) ، لم تختلف عن أي طفلة في بدايتها ، لكن القدر رسم لها طريقًا قاسيًا ، ففي عمر الثالثة ، لم تجد أوكسانا في أسرتها حضنًا يضمها ، ولا كلمة تُشعرها بالأمان ، فقد كان والداها غارقَين في إدمان الخمر ، لايمارسا دورهما كأبوين ، لم تجد الطفلة من يطعمها ، أو من يكسوها ، أو حتى من يلاحظ وجودها
... وفي ليلة باردة ، خرجت (أوكسانا) من منزلها جائعة ، تسير بلا هدف ، حتى وجدت نفسها في مكان خراب ، تأوي إليه الكلاب ، وهناك بدأت حياة أخرى
... الكلاب كانت أكثر رحمة من البشر ، إحتضنتها ، ودفّأتها ، وتقاسمت معها بقايا الطعام ، وقبلت بها فردًا من القطيع ، ومع مرور الأيام ، أصبحت (أوكسانا) تسير على أطرافها الأربعة مثلهم ، وتنبح بدلًا من أن تتكلم ، وتعيش كواحدة من الكلاب
... مر عليها خمس سنوات كاملة على ذلك المنوال ، دون لمسة إنسان ، ودون كلمة حب ، حتى دون وجه بشري يُشعرها بأنها تنتمي لهذا العالم الإنساني
... وفي عمر الثامنة ، لاحظ بعض الجيران وجود طفلة تسير كالحيوانات ، تُصدر أصواتًا غريبة ، وتلعق يديها ، فأبلغوا السلطات ، واقتربوا منها ، لكنها لم تفهمهم ، بل زمجرت ورفضت الإبتعاد عن (عائلتها الكلابية) ، التي عرفتها 
... تم نقلها إلى دار للرعاية ، وهناك بدأت رحلة طويلة من العلاج النفسي والسلوكي ، لم تكن تعرف كيف تجلس على كرسي ، أو تمسك ملعقة ، أو حتى تنطق بكلمة بشرية ، علّموها كيف تتكلم ، كيف تأكل ، كيف تبتسم ، لكنها لم تبتسم يومًا مثل الأطفال الآخرين
... قال الأطباء (ما ضاع من طفولتها لا يمكن إستعادته ، لقد تضرّر نسيج إنسانيتها في العمق)
... ومع مرور الوقت ، إستطاعت (أوكسانا) أن تتعلم المشي والكلام ، لكنها لم تستطع يومًا أن تمحو آثار النباح من ذاكرتها
... اليوم ، تعيش (أوكسانا) في مركز رعاية خاص ، وتعمل في مزرعة للحيوانات ، وكأنها عادت إلى عالمها الأول 
... وعندما سُئلت ذات مرة ، (من هي عائلتك الحقيقية ؟!) ، أجابت بهدوء مؤلم ، (الكلاب ، هم من ربّوني ، هم من إحتضنوني ،
ليست مجرد قصة غريبة بل جرح عميق في وجه الإنسانية ، أن يُحرم الطفل من الحب فى سنواته الأولى ، هو كمن يحرم من حقّه في أن يكون إنسانًا ، وأن تكون الحيوانات أكثر رحمة من البشر ، فذاك ليس عيبًا فيها ، بل كارثة في قلوبنا
... تحياتي ...


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بقلم الأديب المبدع / السيد صاري جلال الدين

بقلم الشاعرة المبدعة / هالة خالد بلبوص

بقلم الشاعر المبدع / د . الشريف حسن ذياب الخطيب